أحمد بن علي القلقشندي

98

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

عثمان الخائن الغادر ، وابن أخيه العامل بعمله ثابت بن عامر ، فتكنّفهم هنالك أولياء دولتنا العلية ، فأوردوهم ويوسف ولد الشقيّ السالب حياض المنيّة ، ونبذت بالعراء أجسامهم ، وتقدّمنا للحين ، بأن يمدّ على الرعيّة ظلّ التأمين ، ويوطَّأ لهم كنف التهدئة والتسكين ، ويوطَّد لهم مهاد العافية ، وتكفّ عنهم الأكفّ العادية ، حتى لا تمتدّ إليهم كفّ منتهب ، ولا يلتفت نحوهم طرف مستلب ، ومن انتهب شيئا أمر بردّه ، وصدّ عن قصده - وكمل لنا والحمد للَّه بالاستيلاء على هذا القطر جميع البلاد ، الداخلة في ولاية بني عبد الواد ، ونسخت منها دولتهم ، ومحيت من صحيفتها دعوتهم ، وعوّض الرّعايا من خوفهم أمنا ، ومن شؤمهم يمنا ، وشملتهم كلمتنا الراقية ، المنصورة بكلمة اللَّه الباقية ، وفي ذلك معتبر لأهل اليقين ، والأرض للَّه يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتّقين . والحمد للَّه على هذه النعمة التي أفاضت على النّعم جلالا ، والصّنيعة التي بهرت الصنائع جمالا ، وأضفت على المسلمين من الصّلاح والعافية سربالا . وقد رأينا من حقّ هذا الإنعام الجسيم ، والصّنع الرائق الوسيم ، أن نتبع العفو بعد المقدرة ، بالإحسان لمن أسلف لنا غمطه ( 1 ) أو شكره ، [ فمننّا ] ( 2 ) على قبائل بني عبد الواد ، وأضفينا عليهم صنوف الملابس نساء ورجالا ، وأوسعنا لهم في العطاء مجالا ، وأفعمنا لهم من الحباء سجالا ، وأقطعنا لهم من بلاد المغرب حاطها اللَّه تعالى ما هو خير من بلادهم ، وحبوناهم منها بما كفل بإحساب مرادهم ، وإخصاب مرادهم ، وخلطناهم بقبائل بني مرين ، وحطناهم باتّحاد الكلمة من تقوّل المتقوّلين ، وتزوير المزوّرين ، وأعددنا منهم لأوان الجهاد أوفر عدد ، وأعتدنا من فرسانهم ورجالهم لطعان الأعادي أكبر مدد ، وأزيل عن الرّعايا بهذه البلاد الشّرقيّة إصرهم ( 3 ) ، وأزيح عنهم بتوخّي العدل فيهم جورهم ووزرهم ، وخفّفنا عنهم ما آد

--> ( 1 ) الغمط : الاستهانة والاستحقار ؛ يقال : غمط النعمة : لم يشكرها . ( 2 ) بياض في الأصل ، وقد اقتبسنا هذه الكلمة من المقام . انظر حاشية الطبعة الأميرية . ( 3 ) الإصر : الأمر الذي يثقل علينا ، أو العهد الثقيل .